عبد الكريم الخطيب
1208
التفسير القرآنى للقرآن
ولا شك أن غير المحصنين هم أقرب إلى التعرض لمثل هذا الفعل المنكر المفضوح ، إذ كانوا - تحت وطأة الشهوة وقسوة الحرمان - معرضين للاندفاع إلى هذه الجريمة ، وإلى قلة المبالاة بعواقبها ، والعمى أو التعامي عن الظروف المحيطة بها . أما المحصن فإنه - إذ يقدم على هذه الجريمة - لا يكون محكوما بثورة الشهوة ، أو قسوة الحرمان إلى هذا الحد الذي يكون عليه غير المحصن . . كما أنه لا يندفع إلى هذه الجريمة هذا الاندفاع الصارخ المجنون ، في غير مبالاة ، خوفا من الفضيحة والخزي ، عند زوجه وبنيه وأهله . . ولهذا لم تثبت جريمة الزنا على المحصن أو المحصنة إلا بإقرارهما ، كما كان الشأن مع « ماعز » والمرأة الغامدية . . وهنا يتضح لنا حكمة نص القرآن على حد الجلد ، وهو العقوبة المفروضة على غير المحصنين ، إذ كان غير المحصنين - كما قلنا - هم الكثرة الواقعة تحت حكم الزنا ، على تلك الصورة المكشوفة المفضوحة ، وهم أدنى إلى مواقعة الإثم على صورته تلك ، من المحصنين ، الذين يكاد الإسلام لا يفترض لهم وجودا . . لأنهم إذا وجدوا على تلك الحال ، كانوا من الندرة النادرة التي لا يتوجه إليها عموم الحكم . كذلك تتضح حكمة هذا التقدير الذي قدّره الإسلام لعقوبة هذا الجرم ، في مجاليه معا ، الإحصان وغير الإحصان ، وهو تقدير عادل رحيم ، لا تخف موازينه أبدا ، في أي مجتمع إنساني ، يحترم وجوده ، ويكرم إنسانيته ، ويرعى حرماتها ، ويحتفظ بالقدر الإنسانى من حيائه ومروءته . . والجلد مضافا إليه الفضح على الملأ ، هو عقوبة غير المحصن والمحصنة .